مباني الطريقة:

قال حضرة الشيخ طارق بن محمد السَّعْدِي :"  مباني الطريقة النقشبندية: هي الأمور التي تدور عليها أعمال الطريقة .. وهي إحدى عشر:

 " انتهى [ المنة: 57 ]

حفظ الأنفاس، والنظرات، والأخلاق، والخلوة، والذكر، والطلب، والخواطر، والحضور، والزمان، والعدد، والقلب مع الله

[[ وهذا تفصيلها فيما يلي:


المبنى الأول: ]]

فـ( حفظ الأنفاس ): هو أن يكون نَفَسُ المُريد حاضراً مع الله عند دخوله وخروجه، وبينهما، بحيث يكون الحضور مع الله في جميع الأنفاس.

قال حضرة الشيخ محمد بهاء الدين ( شاه نقشبند ) :" ينبغي أن يُجعل بناء الأمر في هذا الطريق: على النَّفَس: بأن يُشغلك أهم الأحوال في الزمان الحال عن تذكر الماضي، وتفكر المستقبل، وأن لا يترك النَّفس حتى يضيع، وأن يسعى في المحافظة على ما بين النَّفَسَين وقت خروجه ودخوله؛ لئلا يكون خروجه ودخوله على الغفلة "اهـ ..

قال سيدي وأسـتاذي الشيخ إبراهيم غنيم :" إذا تحرَّك النَّفَسُ بذكر الله فهو حيّ مُتَّصِل، وإذا تحرَّك بدون ذكر الله فهو ميِّتٌ مُنْفَصِل "اهـ ..


[[ المبنى الثاني: ]]

و( حفظ النَّظَرات ): هو أن يكون نظر المريد مقصوراً على الضرورة الشرعيَّة، والحاجةِ المَرْعِيَّة، بحيث يكون حاضراً مع الله في جميع نظراته. وعلامة ذلك: أن لا يجاوز نظرُه قَدَمَهُ ..

 قال الشيخ أمين الكردي :" إن النظر إلى النقوش والألوان يُفسِدُ عليه حالَه، ويمنعهُ مما هو بسبيله؛ لأن الذَّاكر المبتدئ إذا تعلَّق نظره بالمُبْصَرات، اشتغل قلبُه بالتفرقة الحاصِلة من النظر إلى المُبْصَرات؛ لِعَدم قُوَّته على حفظ القَلب "اهـ ..


[[ المبنى الثالث: ]]

و( حفظ الأخلاق ): هو سفَر المُريد وهجرته معاني السّوء من نفسِه إلى المَكارم، بحيث لا يستوطن أرضاً، بل يسيحُ في البلاد طلباً للتخلية والتحلية مع الله ، من خلال التوفيق إلى مُرشد كامل يهديه السبيل، ويُحكم له الدَّليل.

والتخلية: الطهارة من مساوئ الأخلاق.

والتحلية: الاتصاف بمكارم الأخلاق.

قال الله : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً }[ الفرقان: 63 ].

قال الأكابر :" على المُريد أن يُسافر في البداية، إلى أن يوصل نفسَه إلى صحبة مُرشد كامل، فبعد ذلك يكون مقيما في خِدمته، ملازماً لصحبته، فإن وُجد في دياره مرشد كامل  من هذه الطائفة يترك السَّفَر بالكليَّة، ويُبادر إلى خِدمته، ويسعى سعياً بليغاً في تحصيل مَلَكة الحضور، ويجتهد اجتهاداً كاملا في الاتصاف بصفة الشُّعور. فإذا تخلص من قيد البشريَّة، وتحقق بصفة المَلَكيَّة: فالإقامة والسَّفر في حقِّه سواسية "اهـ


[[ المبنى الرابع: ]]

و( حفظ الخلوة ): هو أن يخلو المُريد مع الله  في جميع الأحوال.

والخلوة: خلوة في الظاهر، وخلوة في الباطن:

  • فخلوة الظاهر: الاعتزال بالظاهر عن الناس، بحيث لا يُخالطهم في شيءٍ.

  • وخلوة الباطن: الاعتزال في الباطن عن كل ما سوى الله من الأغيار المُعارضة، بحيث يكون حاضِراً معه على كل حال: ( ظاهِره مع الخلق وباطِنُه مع الحَقِّ ) ..

وذلك قول الله : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله }[ النور: 37 ] ..

وقال الله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [ المنافقون: 9 ] ..


[[ المبنى الخامس: ]]

و( حفظ الذِّكر ): هو المداومة على ذِكر الله بأذكار الطريقة النقشبنديَّة العليَّة، بحيث لا يغفل عنها، أو يُفَرّط فيها بين يدي الله .

قال الله : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }[ الزخرف: 36 ] ..


[[ المبنى السادس: ]]

و( حفظ الطَّلب ): هو المُحافظة على إرادة الله بالأعمال ظاهراً وباطناً، بحيث لا يُطلب غيره ؛ ( إلهي، أنت مَقْصُوْدِي، ورِضَاكَ مَطْلُوْبِي ).

قال سيدي وأستاذي الشيخ إبراهيم غنيم :" جَنينا من هذا الطريق: الابتعاد في كل شيء نعلمه أو نفعله عن طلب مقام أو عطاءٍ أو مدح أو شكر أو مادة أو خدمة، وإنما: ( إلهي، أنت مقصودي ورضاك ومطلوبي ) "اهـ

فائدة: ويُستحب للمُريد كثرة ملاحظة كلمة التَّوجُّه: ( إلهي، أنت مَقْصُوْدِي، ورِضَاكَ مَطْلُوْبِي )، والمُناجاة بها؛ قال الشيخ أمين الكردي :" ملاحظتها: تؤكِّدُ النفيَ والإثباتَ، وتُورِثُ في قلبِ الذَّاكرةِ سِرَّ التوحيد الحقيقي، حتى يَفنى عن نظر العبد وجودَ جميع الخَلق "اهـ ..


[[ المبنى السابع: ]]

و( حفظ الخواطر ): هو أن يحبس المريدُ خواطِرَه عن الأغيار، بحيث لا يتفكر أو يتخيل شيئاً من العالَم بين يدي الله ، ولو لبعض الوقت من اليوم والليلة.

قال بعض الكبراء :" ينبغي أن يحفظ خاطره ساعة أو ساعتين أو أزيد، مقدار ما تيسَّر؛ لئلا يتطرق الأغيار على قلبه "اهـ

فائدة: وأحِبِّ للمُبتلى بسوءِ الخواطر: الإكثار من قراءة سورة الناس، وأن يقرأها كل يوم أربعين مرَّة: (40)، ويعزم بها على الخاطر حال وروده، والله ولي التوفيق.


[[ المبنى الثامن: ]]

و( حفظ الحُضور ): هو أن يكون المُريدُ حاضراً مع الله على وجه الذَّوق، بحيث لا يغيب عنه في شيءٍ من المعاني.

قال الله : { ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها .. }[ البخاري ].


[[ المبنى التاسع: ]]

و( حفظ الزمان ): هو أن يكون السالك واقفاً على أحواله في كل زمان، أنها موجبة للشكر أم موجبة للعُذر.

قال حضرة الشيخ محمد بهاء الدين ( شاه نقشبند ) :" قد بنى أحوال السالك في الوقوف الزماني على الساعة؛ ليكون واجداً للنَّفَسِ، فيعلم أنه يمرّ بالحضور أو الغفلة "اهـ

وقال :" الوقوف الزماني: عبارة عن أن تكون واقفاً على أحوال نفسِك، فإن كانت موافقة للشَّريعة، مُرضية لله تعالى فاشكُرْه، وإلا فاستغفِره "اهـ ..


[[ المبنى العاشر: ]]

و( حفظ العَدد ): هو أن يقفَ المُريد على العَدَد المأذون له به في الأذكار.


[[ المبنى الحادي عشر: ]]

و( حفظ القَلب ): هو أن يكون المُريد حاضِراً بِقلبِه مع الله ، متوجهاً في ذِكرِه إياه إلى قطعة اللحم الصَّنوبريَّة الشَّكل، المُعبَّر عنها بالقَلب.

قال حضرة الشيخ عبيد الله أحرار :" إن الوقوف القلبي: هو عبارة عن حضور القلب مع الحقِّ سبحانه على وجه لا يبقى للقلب مقصود غير الحقِّ سبحانه، ولا ذهول عن معنى الذِّكر "اهـ

وقال :" الوقوف القلبي: هو كون الذَّاكر واقفاً على قلبه وقت الذِّكر، بحيث يتوجه إلى قلبه ويجعله مشغولاً بلفظ الذِّكر ومعناه، ولا يتركه غافلاً عنه، وذاهلاً عن معناه "اهـ


فائدة: وقد جُمِعت هذه المباني جميعاً في قول الله : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[ آل عمران: 191 ]، فالحمد لله رب العالمين. " انتهى مختصراً [ المنة: 81 - 89 ]


تم بيان مباني الطريقة النقشبندية العلية، فلله سبحانه وتعالى الحمد


الرئيسية - تعريف - سلسلة - شروط - أصول - مباني - وظائف - انتساب - مفكرة - مساعدة

Hit Counter